الخواجا يكتب ... هستيريا سيبرانية - وكالة أردننا الاخبارية

الشريط الأخباري

Home Top Ad

Post Top Ad

Responsive Ads Here

الثلاثاء، 11 يوليو 2023

الخواجا يكتب ... هستيريا سيبرانية



بقلم : د. ماجد الخواجا

وكالة اردننا الاخباري - لم نعهد في حياتنا الفعّالة وعلى مدار السنوات الماضية حجم وسرعة ونوعية التحولات الجذرية التي تمرّ بها المجتمعات ليس فقط في منطقتنا العربية وإنما تمتد على أطراف العالم بأسره.


تحولات غيّرت شكل ولون وطعم الحياة المجتمعية بحيث أصبح الواحد منا يكاد لا يعرف هوية أو موقفاً أو يستطيع التيّقن منه إلا ويجد نفسه في موقفٍ مغايرٍ تماماً.


لقد تصدعت الشخصية الإنسانية ولم يعد بالإمكان الركون إلى نمط أو إطار أو ملامح ثابتة، بقدر ما أصبحت هلامية وتعددية تصل إلى حالة المرض الهستيري، والهستيريا هي حالة مرضية تصيب الشخصية الإنسانية على شكل إزدواجية أو تعدد الشخصية، حيث تتبادل تلك الشخصيات الظهور عندما تتهيأ الظروف والسياقات لها، كمثال يكون الشخص تارةً خلوقاً طيباً دمثاً، لكنه يتحول إلى عدواني انفعالي عصبي سيىء الخلق في مواقف محددة.


هنا إذا أسقطنا تعريف الهستيريا على ما يحدث في العالم من تحولات حاسمة وجذرية وسريعة ومتناقضة، تلغي القادمة المغادرة منها. هنا قد تنطبق الحالة على نسب يعتدّ بها من أفراد الجماعات والمجتمعات التي سيطرت عليها أنواع من الهستيريا التقنية والإعلامية والاجتماعية والنفسية.


ولو تتبعنا أي فردٍ من الأفراد الذين يتعايشون ويتعاملون مع السوشيال ميديا وتقنيات الإنترنت، ربما لن يبتعد كثيراً في تشخيصه عما ذكرناه سابقاً، فهو مفروض عليه تعددية الهويات الافتراضية التي تتراوح ما بين هوية وطنية وعالمية وإنسانية وعنصرية وجهوية ومنحرفة وأخلاقية وتطوعية وأنانية واحتيالية، وغيرها من الهويات التي يمكن لأي فردٍ تمثّلها وتبنيها عبر الفضاءات السيبرانية، حتى يكاد الواحد ينسى ملامحه الأصلية وسط هذه الهلامية من الشخصيات الافتراضية التي نتقمصها طيلة الوقت.


لقد استبيحت هويات المجتمعات بطريقةٍ لم يعد فيها من مجالٍ للإنغلاق أو دفن الرؤوس في التراب على أمل انتهاء العاصفة السيبرانية، فلم يعهد أن عادت المجتمعات لقديمها إلا كنوعٍ من الحنين للتراث والتشبث بالماضي والجذور، تماماً كمن يحتفظ بالتلفاز القديم الضخم في صدر منزله، لكنه يتعامل مع النتفلكس والبودكاست.


لم نسمع إلا من سنوات قليلة مصطلحات ومفاهيم ترتبط بالتحديث التقني الذي يفيض علينا كل لحظة، لم نسمع عن التنمّر الإلكتروني، التجييش والجيوش الإلكترونية، الذباب الإلكتروني، الإبتزاز الجنسي الإلكتروني، التضليل الإعلامي الإلكتروني، التريندات، الهاشتاجات، الريلز، الميتافيرس، الإيموجي، الشات جي بي تي، المؤثرين الإلكترونيين، التافهين الإلكترونيين، الرقمنة، والذكاء الاصطناعي.


إنها الحياة بالهستيريا السيبرانية.

الدستور 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Bottom Ad

Responsive Ads Here